بسم الله الرحمن الرحيم
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
مدخل :
دفعني لكتابة هذا البحث البسيط ، الاخ الفاضل السيد نضال بن زين العطاس ؛ وكنت قد كتبت - في حائط صفحتي في الفيس بوك - أبياتاً من قصيدة الإمام الحداد رضي الله عنه (( زارني بعد الجفا ظبي النجود )) فعقب السيد الفاضل على ما اقتبسته ، بتساؤل عن مقصد الإمام الحداد بكلمة (( زرود )) في الأبيات ، فأجبت أنها ليست من القصيدة … وقمت بعد ذلك بالبحث عن كلمة (( زرود )) في المعاجم اللغوية والكتب التاريخية للإستفادة .. والله ولي التوفيق .
نص القصيدة من ديوان الإمام الحداد برد الله ثراه:
رجعت لأكثر من نسخة لدي من ديوان الإمام الحداد - برد الله ثراه - و النسخ بالترتيب التاريخي كالآتي :
1- نسخة مطبعة المدني القاهرة الطبعة الثالثة ( 1398هـ -1978م) قافية الدال ص 66 .
2- النسخة الشهيرة والتي هي بخط يد العلامة السيد عبدالله بن علي بن شهاب وهي الطبعة الأولى من نوعها الديوان طبعة عام 1405هـ ، قافية الدال ص 179.
3- النسخة التي اعتنى بها العالم الأديب السيد عبدالقادر بن سالم الخرد الطبعة الثانية من نوعها( 1421هـ - 2001م) قافية الدال ص 177.
النص :
زارني بعد الجَفَا ظبيُ النُّجُود … عنبريُ العَرْفِ وَرْدِيُّالخدودِ
وسقاني من رحيقٍ في البَديدِ … وشَفَى بالملتَقَى قَلْبَ العَمَيدِ
* * *
قلتُ: أهلاً يا غزالَ الرَّقمتينِ … أنتَ قرةُ خَاطِري أَيضاً وعيني
لا تُعَدِّي يا سويجي المقلتينِ … هكذا ترعى ذِمَامِي وعُهُودي
* * *
أقبلتْ لي حين أقبلتَ البشائرْ … بالأماني والمنى يا ظبي عامرْ
كمْ وكمْ لي من مَرامٍ ومَرَامرْ … فِيكَ يا دُرِّي المَبَاسِمِ والعقودِ
* * *
يا قَضِيباً يتمايلُ في كثيبِ … عندما هبت له ريح الجنوبِ
عُدْ إلينا لا تَخَفْ قولَ الرَّقيبِ … يا مَسَرَّاتي إذا ما عَادَ عُودِي
* * *
يا رعى اللهُ ليالٍ بالمعاهدْ … نلتُ فيها ما أُرجِّيه وزَائِدْ
هل ترى عَيشاً تَقَضَّى ثَمَّ عَائِدْ … إن وإلا بالبُكَا يا عينُ جُودِي
* * *
إنَّ لي في الله آمالاً طَوِيلهْ … وظنوناً حسنهْ فيه جَمِيلهْ
لَيسَ لي في نيلِ ما أرجو وسيلهْ … غيرُ طَهَ المصطفى زينُ الوجودِ
**تمت القصيدة **
وبما أن هذا النص الشعري ، هو المكتوب في ديوان الإمام الحداد ، والذي سماه - رحمه الله - بالدُّر المنضوم لذوي العقول والفهوم ، و أملاه في حياته ، وقد ذكر العلامة الكبير الشريف علوي بن أحمد بن الحسن بن الإمام الحداد في تقديمه للديون : [.. لأنه كما قال الوالد أحمد في شرح راتب جده ، قال فيه : وقد سمى الشيخ عبدالله الحداد - نفع الله به - ديوانه (( الدر المنظوم لذوي العقولِ والفهوم )) ، فخصه - رضي الله عنه - بذي العقل والفهم ، فخرج الأحمق والبليد الفَدمُ ؛ لأنه - رضي الله عنه - أودع فيه أسراراً ومعارف ، وعلوماً دقيقة ولطائف ، وقد أشار إلى ذلك بقوله - رضي الله عنه - : إنا أودعنا فيه من الأسرار ما لم نودعه في غيره من المؤلفات ، فافهم . والله أعلم ) . انتهى من (( الشرح على الراتب )). ] .
توضيح لأمور شاعت بين الناس :
قد تنشد مثل هذه القصيدة ، في المجالس الخاصة ، والمحافل العامة ، بطريقة معينة ، وهي : أن يردد الحضور بيتاً من الشعر يفتتح بها المنشد انشاده، ثم يبدأ في أداء القصيدة ، وبعد تمام كل بيت ، يردد الحضور نفس البيت الذي بدأ به ، وهكذا إلى إنتهاء القصيدة ، فمثلا هذه القصيدة دائماً مايردد بعد كل بيت منها :
ألف صلى الله على زين الوجودِ … من سكن طيبة وخيّم في زرودِ
والبيت هذا ليس من قصيدة الإمام الحداد كما نقلنا نص القصيدة آنفاً ، ولكن أضيف لها ، وقد يكون لقلة المطالعة ، وعدم الرجوع للدواوين نفسها ، يسري في ذهن الكثير ، أن هذا البيت من القصيدة ، ومن نظم الإمام الحداد ، بل تجد بعض الكتب ، التي تجمع فيها الموالد والمدائح ، يضعون في طبعاتهم هذه الأبيات ، التي تسهل الانشاد الجماعي ، و كذلك قصيدة الإمام الحداد الشهيرة : ( ألا ياصاح ياصاح لا تجزع وتضجر ) يردد معها : ( ألا يالله بنظرة من العين الرحيمة ) بل أنها اشتهرت بـ ( ألا يالله بنظرة) ، وقصيدة ياربي ياعالم الحال ، يرددون بعد كل بيت : (ياعالم السر منا لاتهتك الستر عنا )، وقصيدة عطفة ياجيرة العلم وهي أبيات من قصيدة طويلة مطلعها :
كم بقلبي فيك من شجنِ .. ياحياة الروح والبدنِ
ماطوافي اليوم في الدمنِ .. و اغتراب النفس في الوطنِ
فلا يبدأ المنشد من أول القصيدة بل يبدأ من البيت الشهير :
عطفة ياجيرة العلمِ .. يا أهيل الجود والكرمِ
نحن جيران بذا الحرمِ .. حرمُ الإحسان والحسنِ
ويردد الحضور كذلك في هذه القصيدة : (يارسول الله سلامٌ عليك يارفيع الشآن والدرجِ ). والكثير من القصائد ، يضاف عليها ماليس من نظم صاحبها ، على سبيل المثال لا الحصر بردة المديح للإمام البوصيري رحمه الله .
أعود لزرود :
أحب هنا أن أنقل بعض ماورد عن هذه الكلمة لغوياً ، و مكان الموضع الذي سمي بها .
لسان العرب ج 3 طبعة دار صارد قال ابن منظور :
الزَّرْد والزَّرَد: حِلَقُ المِغْفَر والدرع.والزَّرَدةُ حَلْقَة الدرع والسَّرْدُ ثعقْبها، والجمع زرود. والزَّرَّادُ: صانعها، وقيل: الزاي في ذلك كله بدل من السين في السَّرْد والسَّرَّاد. والزَّرْد مثل السَّرْد، وهو تداخل حلق الدرع بعضها في بعض.والزرَد، بالتحريك: الدرع المزرودة. وزرده أَخذ عنقه. وَزَرده، بالفتح، يَزْرِدُه ويَزْرُده زَرْداً: خنقه فهو مَزْرُود، والحَلْق مَزْرُود. والزِّرادُ: خيط يُخْنَق به البعير لئلا يَدْسَع بِجِرَّته فيملأَ راكبه.وزَرِدَ الشيءَ واللقمة، بالكسر، زَرَداً وزَرَده وازدَرَده زَرْداً: ابتلعه. أَبو عبيد: سَرَطْتُ الطعام وزَرَدْتُه وازدَرَدْتُه ازْدِراداً.نوادر الأَعراب: طعام زَمِطٌ وزَرِدٌ أَي لين سريع الانحدار.والازدرادُ: الابتلاع. والمَزْرَدُ، بالفتح: الحلق. والمَزْرَدُ البُلْْعُوم. ويقال لِفَلْهَم المرأَة: إِنه لَزَرَدَان، لازْدِرادِه الأَيْرَ إِذا ولج فيه؛ وقالت جلفه من نساءِ العرب: إِنّ هنَي لَزَرَدَانٌ مُعتدل؛ وقال بعضهم؛ سمي الفَلهم زَرَداناً لأَنه يَزْدَرِدُ الأُيور أَي يحنقها لضيقه. ومُزَرِّدُ بن ضرار: أَخو الشماخ الشاعر. وزَرُودُ: موضع، وقيل: زرود اسم رمل مؤنث؛ قال الكَلْحَبَة اليربوعي :
فقُلْتُ لِكَأْسٍ: أَلْهِميها فإِنما … حَلَلتُ الكَثِيبَ من زَرُودَ لأُفْزعا
انتهى ماذكره في لسان العرب . ولمن أراد الاستزادة في المعنى يرجع للمعاجم اللغوية الأخرى .
موقع زرود الجغرافي :
ذكر السمهودي في كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم طبعة مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي الطبعة الأولى(1421هـ -2001م) في الجزء الرابع تحقيق د. حيدر السامرائي . الفصل الثامن : في بقاع المدينة واعراضها واعمالها ومضافاتها وأنديتها وجبالها وتلاعها …. حرف الزاي ص 308 قال :
زرود :
بالفتح ثم الضم ، آخره دال .
موضع قرب أبرق العزّاف ، كما يؤخذ مما سيأتي عن الصحاح في العزاف . وسبق في ترجمة "خيبر " مايؤخذ منه : أنه اسم لأول من سكن به من أولاد إخوة عاد .وقد ذكر عن العزاف مايربطها بزرود قال في حرف العين : وفي الصحاح : العزّاف : رملٌ لبني سعد ، ويسمى أبرق العزاف وهو قريب من زرود … أهـ
و للإستزادة يرجع لنفس الكتاب للسمهودي ، معجم البلدان لياقوت الحموي ، و موضع زرود حاليا معروف ومشهور وهو في شمال المملكة العربية السعودية في منطقة حائل بمحافظة بقعاء ، وهي تبعد عن مدينة حائل عاصمة المنطقة 160 كيلو متر باتجاه الشمال الشرقي عن مدينة حائل . و لهذا الموضع مناسبات تاريخية جعلته مشهورا ، منها ماهو في الجاهلية ويخص الحروب التي جربت لبني تميم وتغلب في زرود وأشهرها يوم زرود ، وما بعد الإسلام
نذكر حادثتين مهمتين:
1- حين خرج سيدي الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي - عليهما السلام - ، متجهاً من مكة المكرمة للكوفة نزل في هذا الموضع ، ونزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي ، وقد اتاه - عليه السلام - خبر استشهاد مسلم بن عقيل رضي الله عنهما وهو في زرود … كما ذكر ذلك السيد عبدالرزاق المقرّم في كتابه مقتل الحسين .
2- نزل بها الجيش الإسلامي الذي أرسله سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقيادة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه - ليمدوا المثنى بن حارثة الشيباني في العراق ، و قد مات المثنى بسبب جراحة انتقضت عليه قبل قدوم سعد بالمدد .. وكان وقتها معسكراً بالجند في زرود . وقد انضم له عدد كبير من بني تميم و بني أسد، ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل الجزء الثاني حوادث سنة 14هـ .
الخلاصة :
من النقولات التي اوردتها تبين لي ، أنه من أضاف البيت لقصيدة الإمام الحداد - رضي الله عنه - ، اعتبر زرود من المواضع القريبة من المدينة المنورة - كما ذكرها السمهودي- ، أو أنه يوجد موضع إسمه زرود قرب المدينة ولم يذكره أحد من أصحاب التواريخ بدقة، فزرود التي نزل بها الإمام الحسين - عليه السلام - ، وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ليست قريبة من المدينة ، وقد راجعت كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - صلى الله عليه وآله وسلم - للإمام الصالحي -رحمه الله - فلم أجده ذكر زرود بتاتاً ،في مغازي النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- ولا في المنازل التي مر بها .
قصائد أخرى للإمام الحداد :
وجدت قصيدة للإمام الحداد - برد الله ثراه - دالية في ديوانه وقد نقلتها من نسخة الديوان (3) التي ذكرتها آنفاً ، و مناسة القصيدة كما ذكر في الديوان ، أجاز سيدنا الناظم محبه الشيخ العلامة محمد بن أبي بكر باشراحيل على قصيدة وردتمنه أولها :
نسيمُ هبت من النجودِ … فغيبتني عن الوجودِ
فرد عليه الإمام الحداد رضي الله عنه بقصيدة أولها :
أقول للناظم المجيدِ … ظفرت بالخير والمزيدِ
وختمها بهذا البيت وأشار فيه إلى زرود :
عليه أزكى الصلاة دأباً .. ما غنت الورق في زرودِ
وبعد تمامها كتب : ( انتهت بتماماه ، وهي قد لا تثبت في بعض الدواوين ، فلينبه على ذلك ، والمتقدمة ثبت في غالب الدواوين ) . أهـ
وكذلك ذكرت ( زرود) في القصيدة التي مطلعها :
ما بَال الْعُيُونْ … تَذْرِى الدُمُوعَ السَّوَاكِبْ
مِنْ فَرْطِ الشُّجُونْ … كَالنَّارِ بَيْنَ الجَوَانِبْ
لاعِجْ مَا يهُونْ … مِنْ طُوْلْ بُعْدِ الحَبَايبْ
مَا ادْرِي مَا يَكُونْ … ضاقَتْ عَليَّ المَذَاهِبْ
قال في الفصل الثالث رضي الله عنه :
يَا شَادِنْ زَرُوْدْ … لِمَ تَجَافَيْتْ عَنِّي
يَا وَرْدِيَّ الخُدُودْ … مَا كَانْ ذَا فِيكْ ظَنِّي
أَشْمَتَّ الحَسُودْ … عَلَىَّ إِذْ بَانْ وَهْنِي
ظَنْ أَنِّي أَهونْ … كَلاَّ وَ رَبِّ المَغَارِبْ
وفي القصيدة الدالية التي مطلعها :
يا وَجيهِ إنها هبَّتْ رِيَاحُ السُّعودِ
ذكر زود في هذا البيت من القصيدة :
كلَّمَا لاحَ بَارِقْ فَوقَ وادِي زَرُودِ
وفي قصيدته التي مطلعها :
يا جِيَرة الْحى مِنْ زَرُودْ … يَا بَهَجَة المَسامَرْ
مَتى مَتَى سَفَرُكمُ يَعُودْ … يَا نُزْهَةَ الخَواطر
غَزَاكُم ذَلك الشُرود … رُوحي عَلَيه طَائرْ
وَالْعَينْ مِنْ فَقْده تَجوهَ … بِالدمْع كَالمَواطِر
وفي الختام أسأل الله التوفيق والسداد ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي الكريم ، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين .
كتبه الفقير إلى رب العباد : رضا بن عبدالقادر بن أحمد مشهور بن طه الحداد ، لطف به الرب الجواد