بسم الله الرحمن الرحيم
الموضوع الذي أحب أن أتكلم عنه هذه المرة هو الحب وأقسامه ، وقبل أن أذكر ماذكره أهل العلم في ذلك ، سأقدم للحب وماذا تعني كلمة (( حب )) .
قال الله تعالى في محكم التنزيل (( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )) فلباري جل جلاله يحب أهل الإحسان من عباده المؤمنين ، وقال جل جلاله (( وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ)) هنا الباري يشير لعباده ويحثهم على العدل وعدم التعرض للغير بالأذى والإعتداء بغير حق فالآية تدل على حب الله جل جلاله للعدل وأهله وقد حرم الظلم على نفسه الحكم العدل . وقال جل جلاله (( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )) . وفي هذه الآية يذكر الباري حال ساداتنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله عنهم (( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) والفعل هنا اتى بصيغة المضارع في - يحبون - والذي يفيد الإستمرارية في المحبة وذلك لصدق هذه المشاعر والتي نبعت من نور الإيمان الذي سكن القلوب فسمت به المشاعر ، مع ماذكر من وصف حالهم بالايثار وعدم الحسد وإن كان بهم حاجة وفقر . وغيرها الكثير من الأيات التي ذكرها الباري جل جلاله . وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحثنا على المحبة ((تحابوا)) ولان ننسى أن أسمى وأعلى درجات الحب هو الحب في الله كما أشار النبي عليه الصلا والسلام في الحديث المشهور عن السبعة الذين يضلهم تحت ضله يوم لاضل إلا ضله.
هنا يجدر بي أن أشير إلى كيفية إشتقاق كلمة حب :
قال ابن القيم في كتابه روضة المحبين (( فأما المحبة فقيل : أصلها الصفاء لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حَبَب الأسنان ، وقيل مأخوذة من الحَباب وهو مايعلو الماء عند المطر الشديد ، فعلى هذا المحبة غليان القلب وثورانه عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب ،وقيل مشتقة من اللزوم والثبات ، ... وقيل : بل هي مأخوذة من الحَبَّ جمع حَبَّة ، وهومأخوذه من الحُبّ الذي هو إناء واسعٌ يوضع فيه الشيء فيمتلىء به بحيث لا يسع غيره ، وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه ، ... وقيل بل هي مأخوذة من حبة القلب وهي سويداؤه ...)) أهـ بإختصار .
ماهية الحب :
قال ابن حزم في كتاب طوق الحمامة :
الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد ، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة . وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة ، إذ القلوب بيد الله عز وجل .
إلى أن قال وقد إختلف في ماهيته ، وقالوا وأطالوا ، والذي أذهب إليه وأراه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع ...
إلى أن قال : والحب -أعزك الله - داء عياء ، وفيه الدواء منه على قدر المعاناة ، وسقام مستلذٌّ ، وعلة مشتهاة لايود سليمها البرء ولا يتمنى عليلها الإفاقة ، يزين للمرء ماكان يأنف منه ، ويسهل عليه ماكان يصعب عنده ، حتى يحيل الطبائع المركبة والجبلة المخلوقة .. )) أهـ
أقسام الحب :
و أشار العلامة مفتي حضرموت السيد عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف رحمه الله قال في كتابه العود الهندي م3 صـ 296 - 297 طبعة دار المنهاج .
ثم المحبون على أقسامٍ:
1- قسم ساقط :
أما أهل الدعاوي الساقطة ، والأغراض السافلة ،والشهوات البهيمية : فلا يحصل منهم الميل إلا قبل النيل ، ثم يحدث عندهم الملل لأدنى عارض يخالف الهوى وقد قال أسماء بن خارجة الفزاري - وتمثل به القاضي شريح ، وأخطأ من ينسبهما للشافعي - :
خذي العفو مني تستديمي مودتي .. ولا تنطقي من سورتي حين أغضبُ
فإني رأيت الحب في القلب والأذى .. إذا اجتمعا لا يلبث الحب يذهبُ
2- قسم متوسط :
واما اهل السِّطة-التوسط- في المحبة : فكما قال ابن المرحِّل الأندلسي
لويكون الحب وصلا كله .. لم تكن غايته إلا المللْ
أو يكون الحب هجراً كله .. لم تكن غايته إلا الكللْ
إنما الوصل كمثل الماء لا .. يُستطاب الماء إلا بالعَلَلْ
3- قسم صادق :
وأما أهل المحبة الصادقة : فإنهم كما قال الأحوص :
إذا قلت : إني مشتف بلقائها .. فممَّ التلاقي زاد مابيننا وجدا
وفي ختام موضوعي هذا أحب أن أذكر بعض الشعراء الذين عرفوا بالحب والعشق الآلهي ولهم شعر يرق له القلب وتلين معه الاحاسيس والمشاعر ، قال عفيف الدين التلمساني :
أبداً بذكرك تنقضي أوقاتي .. مابين سماري وفي خلواتي
ياواحدا الحسن البديع لذاته .. أنا واجدٌ الأحزان فيك لذاتي
وبحبك اشتغلت حواسي مثلما .. بجمالك امتلأت جميع جهاتي
وقال شهاب الدين السهروردي :
ياصاح ليس على المحب ملامة .. إن لاح في أفق الصباح صباحُ
لانسب للعشاق ان غلب الهوى .. كتمانهم ، فنما الغرام فباحوا
سمحوا بانفسهم وما بخلوا بها .. لما دروا أن السماح ربـاحُ
فدعاهمو داعي الحقائق دعوة .. فغدوا بها مستأنسين وراحوا
ركبوا على سفن الوفا ودموعهم .. بحر وشدة شوقهم ملاحُ
والله ماطلبوا الوقوف ببابه .. حتى دعوا و أتاهموا المفتاحُ
لايطربون لغير ذكر حبيبهم .. أبدا فكل زمانهم أفراحُ
ولا أنسى أن أذكر من مدح المصطفى عليه وآله الصلاة والسلام وهام في حبه وأشهرهم البوصيري صاحب البردة ولكني سأذكر أبيات له غير البردة الشهيرة :
أمدائحٌ لي فيك أم تسبيح .. لولاك ما غفر الذنوب مديحُ
حدثت أن مدائحي في المصطفى .. كفارة لي والحديث صحيحُ
أربح بمن أهدى إليه ثناءه .. إن الكريم لرابحٌ مربوحُ
يانفس دونك مدح أحمد إنه .. مسك تمسك ريحه و الروحُ
وقال في قصيدة أخرى :
بمدح المصطفى تحيا القلوبُ .. وتغتفر الخطايا والذنوبُ
وأرجو أن أعيش به سعيداً .. وألقاه وليس عليَّ حوبُ
نبي كامل الأوصاف تمت .. محاسنه فقيل له ( الحبيبُ)
وهذا سيدي الإمام الحداد برد الله ثراه قال في قصيدته البائية الشهيرة :
سَلَكنا الفَيافي وَالقفار عَلى النَجب .. تجد بِنا الأَشواق لا حادي الرَكب
فَنَهوى عَلَيهِ بِالعشية وَالَّذي .. يَليها مِن اللَيل البَهيم عَلى القَتب
يَلذ لَنا أَن لا يَلذ لَنا الكَرى .. لَما خالَطَ الأَرواح مِن خالص (الحُب)
وَيَبرُد حرا بِالهَجير تمده.. سُموم إِذا هاجَت تزعزع للكتب
وَما زالَ هَذا دَأبنا وَصَنيعنا .. إِلى أَن أَنَخنا العَيس بِالمَنزل الرَحب
نَزَلنا بِخَير العالمين مُحَمد .. نَبي الهُدى بَحر النَدى سَيد العَرَب
وللعارف بالله السيد علي بن محمد الحبشي رحمه الله :
يامرحبا بحبيب كان مسكنه .. قلبي ويغني عن التفصيل اجمال
أهلا وسهلا بمن في حبه تلفت .. روحي وفي قربه للقلب آمال
يافرحتي فد بدى سعدي وقد طلعت .. شمس اتصالي فداعِ الخير لي فال
وللشيخ أحمد الوائلي هذه الأبيات :
ملكت على بعد الديار مشاعري .. فأنت إلى ذهني من الفكر أقربُ
إلى أن دنت مني الديار وأصبحت .. قبابك في عيني تهل وتغربُ
تلاشت حدودي في حدوك والهوى .. توحد أشتاتٌ به وتذوّبُ
وأختم بأبيات قيلت في حب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
للشافعي رحمه الله :
يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حبكمُ .. فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ في القُرآنِ أَنْزَلَهُ
كفاكم منْ عظيمِ الفخرِ أتَّكمُ..مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لا صَلاة َ لَهُ
وللفرزدق رحمه الله :
من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ ..كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ
مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ... في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ
إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ.. أوْ قيل: «من خيرُ أهل الأرْض؟» قيل: هم
لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ جُودِهِمُ.. وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا
ودعبل الخزاعي :
تخيرتهم رشداً لأمري فإنهم .. على كل حالٍ خيرة الخيراتِ
فيارب زدني من يقيني بصيرةً .. وزد حبهم يارب في حسناتي
بننفسي أنتم من كهول وفتية .. لك عناةٍ و أو لحمل دياتِ
أحب قصي الرحم من أجل حبكم .. و أهجر فيكم أسرتي وبناتي
وفي الختام أعتذر على إطالتي فقد أكون تسببت في تشتيت من يقرأ موضوعي ، وختامها بالصلاة على خير البشر ، اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ورضي الله على الصحابة الأخيار اجمعين ، والحمد لله رب العالمين .
كتبه محبكم / السيد رضا الحداد الهاشمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق